محمد أبو زهرة

3875

زهرة التفاسير

وهكذا كانت هذه الآيات الكريمات وغيرها تحمل الدلالات القاطعة التي ترد إنكارهم . وقوله تعالى : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ليس من أرسلناهم من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم أي أنهم ليسوا ملائكة ، ولكن اتصالهم باللّه تعالى بطريق الوحي يوحى إليهم سبحانه وتعالى بأوامره ونواهيه ، وبعبادته وحده لا شريك له ، وقوله تعالى : مِنْ أَهْلِ الْقُرى أي أن هؤلاء الرسل من أهل القرى ، والقرى هي المدن العظيمة ، وفي هذا بيان أمرين أحدهما : أن الرسول يكون من أهل المدن العظيمة ، وثانيهما أنه يكون من قومه ، عرفوه من أوسطهم ، وأكثرهم أمانة وصدقا ، كما قال تعالى في شأن النبي محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) [ التوبة ] . وكان رسل اللّه من أهل المدن يبعثون فيها ، ليكون الرسول على علم بأحوال الناس ، وليكون معروفا بينهم مشهورا غير مغمور ، يكون ذا مكانة من غير غطرسة فيهم ، قبل النبوة ، فتكون شهادة له بالصدق بعدها . وقد بين اللّه تعالى هذه الحقيقة ، وهي أن الرسل من الناس ، وليسوا ملائكة ، وأنها معروفة بالعيان لمن سار في الأرض ، وتعرف ديار الذين كفروا بالرسل ، فقال تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هذا النص السامي فيه برهان أن الرسل كانوا رجالا ، وفيه إنذار لمشركي العرب بالمآل الذي يئولون إليه إذا استمروا على غيهم ، وإنه إنذار يحمل في نفسه دليله ، وبرهانه من الآثار والرسوم للذين هلكوا بسبب إنكارهم وكفرهم ، وانتحالهم التعلات للعناد والإنكار . وقوله تعالى : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وهي مؤخرة عن تقديم للاستفهام ؛ لأن الاستفهام له الصدارة في البيان ، والاستفهام